محمد سعيد رمضان البوطي

343

فقه السيرة ( البوطي )

لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [ التوبة : 4 ] . والقول الأول أصح وأوجه ، إذ ليس في سورة براءة شيء جديد على رأي الكلبي ، وإنما هي تأكيد للعهود القائمة بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمشركين ، لم تغير منها شيئا ولم تأت بجديد ، فأي معنى عندئذ في قراءة عليّ رضي اللّه عنه للسورة على مسامع المشركين ينذرهم بها ، وأي جديد في أن يبعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عليا بذلك ؟ 3 - تأكيد آخر لحقيقة معنى الجهاد : وإنك لتلحظ في هذا تأكيدا جديدا على أن الجهاد في الشريعة الإسلامية ليس حربا دفاعية كما يصور المستشرقون ! . . تأمل في قوله عز وجل وهو ينذر فلول المشركين وبقاياهم حول مكة ، من أهل نجد وغيره : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 3 ) إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 4 ) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) [ التوبة : 1 - 5 ] . إن هذه الآيات الواضحة القاطعة ، لم تبق في الذهن أي مجال لتصور ما يسمى بالحرب الدفاعية ، أساسا لمعنى الجهاد في الإسلام . وأنت تعلم أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن ، فأحكامها - وأكثر أحكامها متعلق بالجهاد - مستقرة باقية . ولست أرى ما يدعو إلى القول بأن هذه الآيات نسخت ما قبلها من الآيات التي تقرر الجهاد الدفاعي ، كقوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) [ الحج : 39 ] . ذلك لأن الجهاد في أصل مشروعيته غير ناظر إلى هجوم ولا إلى دفاع ، إنما هو يستهدف إعلاء كلمة اللّه تعالى وإشادة صرح المجتمع الإسلامي السليم وإقامة دولة اللّه في الأرض ، فأيا كانت الوسيلة المتعينة إلى ذلك وجب اتباعها .